تلك الأيام // بقلم ناجح صالح
تلك الأيام
======
لم نكن نعرف حينها أننا نحيا أياما جميلة ، لم نكن نعرف طعمها وحلاوتها الا بعد أن احتوتنا الظلمة الدامسة بما فيها من ظلم وخوف وفزع تقشعر له الأبدان .
انه لا يعرف قيمة الغنى الا من اكتوى بنار الفقر ، ولا يدرك معنى الأمان الا من رأى بعينيه مشاهد القتل والتنكيل والتعذيب .
ولعل حلمنا لا يكون جميلا الا بعد معاناة الواقع المر .
وفي العودة الى تلك الأيام التي خلت تتراءى لنا كأنها ومضة من الزمن خطفت أبصارنا بما فيها من بهجة وسرور .
كانت أياما تحمل في طياتها الحب والنقاء ، أياما فيها الخير كله والعطاء كله .
كانت نشأتنا في الزقاق .. الزقاق الذي رسم طابع حياتنا بالصداقة الحميمة ومعها الجد والمثابرة في شق الطريق ، ولم تخل الطفولة فيه من مرح ولهو بريء كأنما عبق الماضي يبث في نفوسنا الشوق والأنبهار .
ساعات ممتعة غذت في أرواحنا كل ما يمكن التشبث به من معان جميلة ونغمات حالمة .
وفي عهد الصبا أعطتنا المدرسة كل ما يغني العقل من معرفة مثلما يكون الغذاء للبدن نبحر في بحورها ونحلق في سمائها ، نتخطى كل عقبة بعزيمة وصبر، وعلى ضوء الفانوس في تلك الليالي الحالكة الظلمة نرى بين سطور الكتاب غدنا المشرق الذي نطمح أن نكون فيه رجالا يعرفون موقع خطواتهم من غير ضعف ولا تردد .
أعقب طور الصبا طور الشباب بحماسه في مقارعة التحديات التي تواجهنا .. لتقذفنا الحياة خارج أسوار الزقاق وخارج أسوار المدينة الى العاصمة في رحلة تكملة المشوار الدراسي وانها لرحلة جميلة بين أروقة الجامعة لنلتقي بوجوه جديدة ودنيا جديدة ، غير أننا في أعماقنا لم تفارقنا تلك القيم التي أخذت حيزا من سلوكنا .
أدركنا أنه لا اختيار لنا الا بمواصلة المسيرة وألا نتوقف لحظة واحدة وسط أجواء قد تفاجئنا بشدة وقعها ، وقد كان أثمن ما لدينا هي الحصانة من المغريات .
وما يمكن قوله أننا اكتسبنا في هذه المرحلة تجربة خصبة ومعها معرفة وعلما لنكون على بينة من أمرنا ولتكون لنا رؤية في فهم ما يحيطنا ، علاوة على ما كسبته عقولنا من علوم لا غنى لنا عنها .
وتبقى تلك الأيام هي الرصيد الوحيد المتبقي لدينا ، نحن اليها كلما عصفت بنا عاصفة ونشتاق اليها كلما هبت الأمواج العاتية نخشى منها الطوفان على البلاد والعباد . ناجح صالح / العراق
تعليقات
إرسال تعليق